Web
Analytics

من اجل عراق حر

الرئيسية اقتصاد امتيازات الرفحاويين .. نزيف لموارد العراق وباب واسع للفساد

امتيازات الرفحاويين .. نزيف لموارد العراق وباب واسع للفساد

اثارت ازمة تدهور اسعار النفط عالميا حاليا ، تداعيات كبيرة على قدرة الحكومة العراقية على الايفاء بالتزاماتها وتغطية العجز الكبير في الميزانية ، وسط تصاعد الدعوات لترشيد النفقات الحكومية وتصحيح السياسة المالية الفاشلة ، وابرزها امتيازات لاجئي معسكر رفحاء ، الذين يتقاضون رواتب خيالية تستنزف خزينة الدولة الخاوية، وتخلق فوارق طبقية تتعارض مع روح العدالة الاجتماعية .

وازاء القلق العميق لدى الموظفين والمتقاعدين بعد التسريبات الاخيرة حول نية الحكومة تخفيض رواتبهم، لتغطية العجز الهائل في ميزانية 2020 ، فقد اصبح موضوع مطالبة الحكومة باعادة النظر في الرواتب الخيالية للاجئي رفحاء ، منتشرا هذه الايام في تغطية وسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي وتصريحات سياسيين واقتصاديين اضافة الى الشارع الناقم على سياسة احزاب السلطة التي ادت الى افقار الدولة واهدار ثرواتها الطائلة لتحقيق مصالحها الخاصة على حساب مصلحة الشعب.

من هم لاجئو رفحاء؟

خلال اجواء حرب الخليج الثانية عام 1991 بعد احتلال الكويت، قامت المعارضة العراقية وبتنسيق مع ايران، باستغلال الفوضى السائدة في البلد جراء الحرب وقامت بقيادة انتفاضة مسلحة ضد النظام السابق، في محافظات جنوب ووسط العراق في مارس/ آذار من ذلك العام ، وسقط فيها مئات الضحايا من المدنيين اضافة الى قتل الكثير من الجنود المنسحبين من الكويت على يد المسلحين. وقد تمكن النظام السابق بعد انتهاء الحرب مع التحالف الدولي، من اخماد ذلك التمرد المسلح بالقوة ، مما دفع عشرات الالاف من المشاركين في التمرد او السجناء الفارين من السجون ومواطنين خائفين ، الى الفرار عبر الحدود مع السعودية ، حيث احتجزتهم السلطات السعودية في مخيم صحراوي قرب منطقة رفحاء القريبة من الحدود العراقية.

شهود عيان من البصرة ، ذكروا لـ”القدس العربي”انه خلال الانتفاضة ، قام مسلحون قادمون من ايران ، بمهاجمة السجون في البصرة وغيرها واخرجوا السجناء منهم ، وبعد فشل الانتفاضة، هرب نحو 3000 سجين منهم الى رفحاء، اضافة الى المشاركين في الانتفاضة.

والجدير بالذكر ان معظم سكان معسكر رفحا قد حصلوا على التوطين في دول العالم ولم يبق منهم الا عدد قليل، حيث تشير تقارير مفوضية اللاجئين انه في الفترة بين 1992 و1996 تم توطين حوالي 24700 لاجئ في دول متعددة، ابرزها الولايات المتحدة وايران ودول اوروبا، وان بعض هؤلاء اللاجئين ( اكثر من 3000)  قد عاد إلى العراق قبل عام 2003 . وبقي في المخيم عدد قليل منهم .

وفي اعقاب الاحتلال الامريكي للعراق عام 2003 ، وبعد تسليم الحكم الى احزاب المعارضة ، قام النظام الجديد بمنح امتيازات هائلة للاجئي رفحاءعلى اعتبار انهم معارضين للنظام السابق لجأوا إلى السعودية وتحملوا معاناة هناك. وقد اصدر البرلمان قانون رفحاء عام 2006 الذي تضمن منح امتيازات هائلة منها مكافئات مالية ضخمة وتخصيص راتب لكل فرد من العائلة يتراوح بين مليون ومئتين الى مليون وثمانمائة الف دينار، ومنحهم قطعة ارض ، وتعيينهم في الحكومة وارسال ابناءهم للدراسة في الخارج على نفقة الحكومة، والحج والعلاج على نفقة الدولة وغيرها من الامتيازات التي لا سابق لها في العراق ودول العالم.

ولم تكتف الاحزاب الشيعية المهيمنة على السلطة في العراق بهذه الامتيازات ، بل قررت في عام 2006 ، ضم لاجئي رفحا الى “قانون مؤسسة السجناء السياسيين” ، ليحصوا على رواتب وامتيازات اضافية. وكان دافع القوى الشيعية في منح كل هذه الامتيازات لهذه الشريحة ، هو كسب الشارع الشيعي في الانتخابات ، واضافة اعداد كبيرة من عناصر الاحزاب الشيعية الى القانون للتمتع بالامتيازات ، اضافة الى استثمارها كباب من ابواب الفساد المالي عبر حشر الاف الاسماء الوهمية للحصول على رواتبهم لصالح متنفذين.

الاعتراضات على امتيازات رفحاء

وكان قانون امتيازات لاجئي رفحاء ، منذ صدوره وحتى الان، مثار جدل واسع بين الشعب، كون تلك الامتيازات يراها الكثير من العراقيين، بأنها تثقل كاهل ميزانية الدولة، إضافة إلى أنها مبالغ فيها وتخلق تمايزا اجتماعيا، لم يناله السجناء السياسيين خلال النظام السابق او الشهداء الذين سقطوا في الدفاع عن الوطن.

ويشير المطلعون ان مخيم رفحاء لم يكن سجنا أو معتقل ، وكان تحت اشراف منظمة الأمم المتحدة التي نظمت عملية نقل معظم المتواجدين فيه إلى دول آمنة، بخلاف السجين السياسي في العراق الذي تعرض لظروف اسوأ بكثير من معسكر رفحا دون الحصول على جزء بسيط من تلك الامتيازات.

وفي خضم التظاهرات المطالبة بالاصلاحات في العراق التي انطلقت منذ اكتوبر 2019 وحتى الان ، فقد رفع المتظاهرون شعار الغاء امتيازات ورواتب رفحاء ضمن مطالبهم، مما اجبر البرلمان على اصدار قانون في عام 2019 ، بعدم جواز الجمع بين اكثر من راتب للاجئي رفحاء، الا ان القانون قوبل برفض المتظاهرين الذين اعتبروه محاولة لتخدير الشارع الغاضب من الفساد وتدهور الأوضاع المعيشية، نظرا لأن شريحة رفحاء ما زالت تتمتع بالكثير من الامتيازات المبالغ فيها ومنها الرواتب الضخمة.

وفي هذا السياق، طالب العديد من السياسيين ، الحكومة باعادة النظر برواتب رفحاء ، كأحد الحلول للازمة المالية الحالية، ومنهم النائب في كتلة تحالف القوى العراقية النيابية رعد الدهلكي، الذي دعا حكومة بغداد لالغاء الرواتب المتعددة ومنها رواتب رفحاء، مبينا ان ذلك هو لمعالجة العجز في الموازنة بدل المس برواتب الموظفين والمتقاعدين.

وقال الدهلكي في بيان ، ان“رواتب الموظفين والمتقاعدين خط احمر لم ولن نسمح المساس به، واي مشاكل مالية او اقتصادية على الحكومة معالجتها بعيدا عن تلك الرواتب”، مبينا ان “هنالك العديد من الابواب في الموازنة التي تتضمن نفقات لا معنى لها ومن الاجدر تقليصها او حذفها نهائيا كونها اثقلت موازنة البلد وتسببت بالهدر الواضح للمال العام”. واوضح الدهلكي ان “من بين القضايا التي وضعنا عليها علامات استفهام منذ فترة طويلة هي تعدد الرواتب لبعض الشرائح، مما خلق تفاوتا طبقيا تحت عناوين غريبة وما انزل الله بها من سلطان ومنها رواتب رفحاء التي تكلف الدولة 28 مليار دولار سنويا وغيرها”.

وبدوره كشف النائب السابق في البرلمان العراقي رحيم الدراجي، إن “قانون المخصصات المالية لمحتجزي رفحاء، يحتوي على كوارث، تبدأ بالمبالغ الكبيرة التي ترهق العراق، ولا تنتهي بحالات التزوير الكثيرة بمواليد الأبناء الذين يتسلمون مرتبات من العراق، وهم يعيشون خارج بلادهم الأصلية”. واكد في تصريحات صحفية، أنّ “قانون رفحاء يندرج ضمن خانة الفساد وهدر المال العام، وعدم المساواة والعدالة بين أفراد الشعب العراقي.

اما الخبير القانوني طارق حرب، فاشار الى جانب قانوني في امتيازات رفحاء، مبينا إن “قانون رفحاء لم يساوِ بالمركز القانوني بين حالتين، الأولى بين جندي احتجز من قبل القوات السعودية، وبين محتجزي معسكر رفحاء الذين حصلوا على أفضل الخدمات، وأرسلوا إلى الغرب وحصلوا على جنسيات”.

وكشف حرب ان “القوانين الانتقالية يجب أن ينتهي تطبيقها بعد مرور 5 أعوام حسب الدستور العراقي، أي كان من المفترض أن ينتهي منذ عام 2008، تطبيق قوانين مثل قانون السجناء والشهداء ورفحاء”، مؤكدًا أنه “من غير المنصف والعدالة ألَّا يحصل الشهداء الذي سقطوا أثناء عمليات تحرير محافظات البلاد على عشر ما يحصل عليه سجناء رفحاء”.

عمليات تزوير وفساد

وقد كشف العديد من النواب والقوى السياسية مجالات واسعة للفساد في قانون امتيازات رفحاء، ابرزها اضافة الاف الاسماء الى سكان المعسكر الذين كان عددهم اقل من 30 ألف فاصبح اكثر من 40 ألف ، والجمع بين اكثر من راتب خلافا للقانون ، اضافة الى وجود الاف الاسماء الوهمية ، مما دفع بعشرات من نواب البرلمان الى جمع التواقيع للمطالبة باعادة النظر بالقانون المذكور.

ومن الامثلة على الفساد في تنفيذ القانون ، ان النائبة امل عطية عبد الرحيم ، تستلم هي و 18 من عائلتها رواتب رفحاء ( بين مليون و200 الف – الى مليون و800 الف دينار شهريا للشخص الواحد). وهناك الالاف من النواب والمسؤولين وقادة الاحزاب الشيعية الذين يستلمون اكثر من راتب من الدولة وبضمنها رواتب رفحاء.

ويشير القاضي ورئيس هيئة النزاهة السابق رحيم العكيلي ، الى ان عدد السجناء السياسيين الذين يتقاضون رواتب من الحكومة يتجاوز 99 ألف شخص ، بينهم لاجئي معسكر رفحاء . ويبلغ مجموع رواتبهم الشهرية 101 مليار و176 مليون دينار. فيما يقدّر المختصون ، العجز المالي في موازنة 2020 التي لم يقرها البرلمان حتى الان ، بنحو 40 الى 50 مليار دولار، وذلك نتيجة تراجع أسعار النفط الذي يمثل نحو 90% من مصادر الواردات العراقية.

وفي الوقت الذي يتفق الجميع على ان اللاجئين في مخيم رفحاء قد تحمل بعضهم معاناة نتيجة البقاء لسنوات في ذلك المعسكر، بالتالي فانهم يستحقون بعض التعويضات، الا ان جميع العراقيين يؤكدون وجود مبالغة وفساد في الامتيازات المالية المخصصة لهم.

ويرى الاقتصاديون والسياسيون في العراق ، ان امتيازات لاجئي رفحاء ، نموذج واحد لحالات هدر ثروات العراق في غير وجه حق، بعيدا عن تحقيق العدالة الاجتماعية المطلوبة. ورغم تكرار المطالبات بتعديل القانون ليكون منصفا وللتخفيف عن كاهل ميزانية الدولة ، الا ان تغييره يبدو شبه مستحيل ، لعدة اسباب ابرزها ان جميع الاحزاب الشيعية والكثير من رجال الدين ، يستفيدون من القانون بشكل مباشر او غير مباشر، معززين بذلك مقولة ” ان العراق ليس فيه ازمة مالية ولكن فيه سوء ادارة للمال العام”.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شعبية

تحية للشعب الفلسطيني في ذكرى يومه العالمي

بمناسبة الذكرى السنوية ليوم التضامن مع الشعب الفلسطيني في 29/11 الذي اقرته الامم المتحدة، نشد على ارادة وصمود اهلنا في فلسطين ، لتعزيز ثباتهم...

هجوم يشعل حرائق في مصفى بصلاح الدين

  تعرض مصفى نفط الصينية في محافظة صلاح الدين شمال بغداد، إلى انفجار غير معروفة طبيعته، ما ادى الى اندلاع النيران في اجزاء منه وتوقف...

نازحو العراق .. بين معاناة المخيمات ومخاطر العودة القسرية

في الوقت الذي اعلنت فيه الحكومة العراقية التزامها بعودة النازحين واغلاق كافة مخيماتهم قبل الانتخابات المقررة في حزيران القادم ، اتهمت منظمات حقوقية دولية...

الصدريون يهاجمون ساحة الاعتصام في الناصرية

وقوع اشتباكات عنيفة مسلحة في مدينة الناصرية عندما اقتحم المئات من اتباع التيار الصدري ساحة الحبوبي في مدينة الناصرية جنوب العراق، وهي مركز اعتصام...

احدث التعليقات