Web
Analytics

من اجل عراق حر

الرئيسية سياسة زيارة البابا للعراق .. امال السلام ينسفها واقع الطائفية والفساد والصراعات الدولية

زيارة البابا للعراق .. امال السلام ينسفها واقع الطائفية والفساد والصراعات الدولية

في اول زيارة من نوعها لمسؤول ديني مسيحي بحجم بابا الفاتيكان إلى العراق، وصل البابا فرنسيس الى بغداد في ظروف الفوضى الأمنية والسياسية، وتجذر الطائفية، وتفشي الفساد، والأزمة الاقتصادية، اضافة الى تفاقم وباء كورونا في البلد.

وفي حين اولت الحكومة العراقية ، زيارة البابا اهتماما ملحوظا ووفرت لها تحضيرات امنية وصحية وخدمية كبيرة ،بغية استثمارها لتحقيق اهدافها السياسية والاقتصادية ، وابرزها محاولة تحسين صورة ( الدولة الفاشلة) الغارقة في السلبيات كالمحاصصة الطائفية وتفشي الفساد وتغول الفصائل المسلحة ، وتأثير النفوذ الدولي عليها. مع التركيز على استثمار الزيارة للحصول على دعم دولي لتخفيف ضائقتها المالية الخانقة، اكثر من الاهتمام بتغيير واقع المسيحيين المتردي في العراق.

وتبدو زيارة العراق ، بالغة الاهمية ، بالنسبة للبابا فرنسيس، رغم التحذيرات من المخاطر الامنية والصحية المتوقعة، وذلك لتحقيقها اهداف دينية وروحانية وسياسية. فقد حقق البابا سابقة تاريخية في كونه اول زعيم للفاتيكان يزور العراق واثار اور ويلتقى باكبر مرجع شيعي. وظهر اصرار البابا على انجاز الزيارة ، حتى بعد القصف الصاروخي على قاعدة عين الاسد قبل يومين من موعد زيارته، حيث أكد البابا أنه “ذاهب إلى العراق، الذي لم يتمكن البابا السابق، يوحنا بولس، من التوجه إليه عام 2000، لأنه لا يمكن خذلان الناس مرة ثانية”.

وبعد الاستقبال الحافل لبابا الفاتيكان في بغداد، وخلال كلمته في القصر الرئاسي، اكد إنه “خلال العقود الماضية عانى العراق من آفة الحروب والإرهاب، وجلب ذلك الموت والدمار له”. ولأن الواقع المتدهور للعراق عموما والمسيحيين فيه خصوصا لا يقبل المجاملة ، فان البابا انتقد ساسة العراق، عندما دعاهم ” للتصدي لآفة الفساد واستغلال السلطة”، مطالبا اياهم بالتخلي عن منافعهم، وضرورة صمت السلاح، ومشددا “أن الديانة يجب أن تكون بخدمة السلام والاخوة”، ومستنكر “استخدام اسم الله بالقتل”. ولقيت تلك الكلمات ارتياحا كبيرا لدى العراقيين.الا ان ذلك لم يمنع تحفظ رموز دينية وسياسية سنية ، لعدم اجراء البابا لقاء مع رموز سنية عراقية، وسط اتهامات لحكومة بغداد بمحاولة اظهار العراق وكأنه من مذهب واحد.

وكان لافتا تجمع حشود شعبية كبيرة على طريق مطار بغداد والاماكن التي زارها، ترحيبا بالزائر البابوي، رغم فرض الحظر الصحي خلال ايام الزيارة ، مما اثار تساؤلات عما يريده العراقيون من البابا. حيث بدا وكأنهم يبحثون عن اي بصيص امل ، لمواجهة واقعهم المزري، لذا رحب ثوار تشرين بالزيارة، معبرين عن الامل في اعلان البابا، المنادي بدعم الفقراء وحقوق الشعوب ، عن دعمه لاهداف ثورة تشرين الاصلاحية، وادانة الفساد والفصائل المنفلتة وقمع التظاهرات.

اما شيعة العراق ، فان مواقفهم تباينت ازاء الزيارة ، فبعض القوى والمراجع الشيعية رحبت بالزيارة لتحسين صورة المذهب، وللترويج لعقلانية الشيعة مقابل الحركات السنية المتشددة مثل القاعدة وداعش.

الا ان بعض الفصائل الولائية ، مثل “كتائب حزب الله” في العراق، هاجمت زيارة البابا، وحذرت مما “يحاك لمدينة أور الأثرية بواجهة حوار الأديان”. وقال المسؤول الأمني في الحركة “أبو علي العسكري”، في تغريدة على حسابه في تويتر، “يجب ألا نتفاءل كثيرا بزيارة بابا الفاتيكان، وأنه سيجعل ديارنا بردا وسلاما”. 

والمؤكد ان اكثر الذين راهنوا على زيارة البابا ، هم مسيحيو العراق ، حيث اعلن نواب مسيحيون انهم سيستغلون زيارة البابا ليكشفوا له الواقع المأساوي الذي يعيش فيه المكون منذ 2003 .

حزب أبناء النهرين (مسيحي)، قال في بيانه “إن واقع المسيحيين في العراق اليوم يتسم بالمعاناة في مجالات عديدة”، منها قوانين الأحوال الشخصية الجائرة بحق المسيحي، والتجاوزات على أراضي وقرى وممتلكات شعبنا سواء في بغداد أو الإقليم، واصطفاف القوى السياسية الكبيرة مع بعضها لحرمان حقنا في اختيار ممثلينا الحقيقيين في المؤسسة التشريعية، وغير ذلك من الملفات التي طالما تحدثنا بها في محافل محلية وإقليمية ودولية مختلفة وبوثائق ودلائل واضحة بهدف معالجتها وإيقافها ولكن، دون جدوى”. وكان بطريرك الكلدان في العراق والعالم الكاردينال لويس ساكو، حذر من تحركات “الميليشيات” لتغيير ديموغرافية مناطق مسيحية في محافظة نينوى عبر الاستيلاء عليها وتهجير سكانها.

ويذكر ان عدد المسيحيين في العراق قبل غزو 2003، كان يتجاوز المليون ونصف المليون نسمة، الا انه تراجع الان إلى نحو 400 ألف، بسبب نتائج الغزو الأميركي وهجمات تنظيم داعش والمليشيات.  

ومن مفارقات وتناقض سلوك القوى السياسية العراقية ، انها رحبت بزيارة البابا تحت شعار التسامح وحقوق المكونات ، ولكن البرلمان اقر قبل يوم من الزيارة ، قانون المحكمة الاتحادية الذي ثبت، ولأول مرة في تاريخ العراق ، المحاصصة الطائفية البغيضة في اهم تشكيل يشرف على القضاء والدولة، عبر اشراك رجال الدين (المسلمين) في كيان المحكمة ، لكي تتمكن احزاب الاسلام السياسي ، من التحكم بقرارات الدولة وتحولها من الدولة المدنية الى الدولة الدينية، في استنساخ للتجربة الايرانية. كما افشلت احزاب السلطة ، محاولات استغلال قدوم البابا لدفع قانون “تجريم الكراهية الدينية” لتشريعه في البرلمان ، ولتؤكد بذلك احزاب الاسلام السياسي، فرض عقليتها الطائفية على العراق.  

وهكذا فان زيارة بابا الفاتيكان ، تبقى في حدود ” الرمزية التاريخية”، ومحاولة رفع معنويات المسيحيين في العراق والمنطقة ، دون توقع حصول تغيير ملموس في واقعهم المزري، ، لأن كل العراقيين يعيشون في كارثة مروعة منذ 2003 ، مع الاقرار بان واقع المكونات مثل المسيحيين والايزيديين هو في اسوأ حالاته في تاريخ العراق الحديث، وبالتالي فان شعار البابا (كلكم اخوة) لايبدو قابلا للتطبيق في عراق اليوم، بسبب طبيعة العملية السياسية الطائفية السائدة، التي لا تسمح مطلقا للبابا او غيره ، ان يغيّر في هذا الواقع الذي فرضته اجندات محلية واقليمية ودولية، والله المستعان.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شعبية

العواصف تعطل الدوام في سبع محافظات عراقية

 اعلنت سبع محافظات عراقية بينها العاصمة بغداد ، عن تعطيل الدوام الرسمي فيها لليوم الثاني بسبب العاصفة المستمرة منذ يومين ، فيما جرى تأجيل...

حوار مع الامين العام المساعد لاتحاد المحامين العرب ضياء السعدي

 الاستاذ ضياء السعدي ، النقيب السابق لنقابة المحامين العراقيين ونائب الامين العام لاتحاد المحامين العرب ، تحدث لـ"القدس العربي"، عن المشهد العراقي والازمات السياسية...

البرلمان العراقي يجرم التطبيع مع اسرائيل

 وافق البرلمان العراقي في القراءة الأولى على مشروع قانون "حظر التطبيع وإقامة العلاقات مع الكيان الصهيوني"، الذي ينص على إيقاع عقوبة الإعدام على كل...

تحرك حكومي لمواجهة ازمة الجفاف والتصحر في العراق

 ضمن تحرك حكومي لمواجهة ازمة الجفاف والتصحر في البلد، ترأس رئيس مجلس الوزراء السيد مصطفى الكاظمي،  الأربعاء الماضي، اجتماع اللجنة الوطنية العليا للمياه، حيث...

احدث التعليقات