Web
Analytics

من اجل عراق حر

الرئيسية منوعات قانون العنف الاسري في العراق .. بين الضرورات وعراقيل احزاب السلطة

قانون العنف الاسري في العراق .. بين الضرورات وعراقيل احزاب السلطة

في رفض لاشكال انتهاك وتقييد حرية المجتمع والافراد في العراق ، تصاعدت دعوات قوى محلية ودولية، لاقرار قانون العنف الاسري في مجلس النواب ، لمواجهة ارتفاع غير مسبوق لجرائم العنف الاسري في الاونة الاخيرة، وسط اصرار احزاب الاسلام السياسي الحاكم ، على رفض تمرير مشروع القانون ، الموجود في ادراج البرلمان منذ سنوات ، رغم الحاجة الماسة اليه.

وعكست الاخبار المتلاحقة مؤخرا عن انتشار جرائم العنف داخل العائلات، التي تتناولها وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي ، تدهورا خطيرا في اوضاع العائلة العراقية ، يبرز بصورة مشاكل اجتماعية وحوادث عنف وجرائم مروعة يرتكبها افراد ضد اشخاص من عائلاتهم يفترض انهم الاقرب لهم في المجتمع.

وازاء تصاعد العنف الاسري بشكل يهدد كيان العائلة التي هي اساس المجتمع، فقد تجددت دعوات سياسية وشعبية ونداءات من منظمات المجتمع المدني ومنظمات دولية، للبرلمان والحكومة من اجل التحرك والقيام بواجباتهم لحماية الاسرة والمجتمع.  

فقد دعت النائب يسرى رجب، إلى عقد جلسة استثنائية لمجلس النواب لمناقشة مشروع قانون الحماية من العنف الأسري وإقراره، مؤكدة زيادة ظاهرة العنف وارتكاب الجرائم داخل نطاق الأسرة نتيجة الحجر الصحي. وقالت رجب في بيان، إن “مجلس الوزراء صوت على قانون الحماية من العنف الأسري، وسيحيله إلى مجلس النواب لغرض التصويت عليه وفقاً للسياقات الدستورية”، مبينة ان “مطالبات عديدة وجهناها في وقت سابق إلى الجهات ذات العلاقة لتقديم مشروع القانون إلى مجلس النواب ليوفر الحماية لجميع أفراد الأسرة وليس المرأة فقط ولكي يعيش أفراد الأسر العراقية في بيئة أسرية صحية. وشددت رجب على، أن “الدستور وفق المادة (29) منه، أوجب على الدولة أن توفر الحماية للأسرة بوصفها أساس المجتمع لاسيما الأمومة والطفولة والشيخوخة، كما منع الدستور كل أشكال العنف والتعسف في الأسرة والمدرسة والمجتمع”لافتة الى، أن “السلطتين التشريعية والتنفيذية وانطلاقاً من هذا النص الدستوري يتوجب عليهما التعاون في سن القوانين المناسبة التي توفر الحماية للأسرة والمجتمع”.

الناشطة الحقوقية هناء إدور، وهي من اشد الداعين لاقرار القانون ، اكدت في لقاء متلفز، إن “قانون العقوبات المعمول به حاليا، فيه ثغرات كبيرة لا تواكب التطورات وتصاعد حالات العنف الاسري”، مشيرة الى “أن قانون مكافحة العنف الاسري ضروري في ظل تصاعد العنف بالبلاد، “وأنه سيضع حداً لحالات التعنيف و التفكيك”. وبينت أن المعترضين على قانون العنف الاسري في البرلمان هم مجموعة محدودة، متهمة الاحزاب بانها وراء تدمير الاسرة العراقية، ومشددة أنه “لن يتحقق الاستقرار والأمان في المجتمع مالم يكن هناك قانون للعنف الاسري”.

اما النائبة عن كتلة الاتحاد الوطني الكردستاني ريزان الشيخ دلير، فترى أن مشروع قانون العنف الأسري”لا يتضمن” أي مواد “تقلل من هيبة” العائلة العراقية وأفرادها، متهمة “البعض” بأنهم “يخافون” من كل شيء يحمي المرأة والطفل. وقالت شيخ دلير، في حديث لـ السومرية نيوز، إن قانون العنف الاسري، من القوانين الضرورية والمهمة والتي سعينا بكل ما لدينا من جهد لتشريعها”، لافتة إلى “أننا بحاجة إلى أسرة هادئة داخل المجتمع دون عنف، وحماية أفرادها من مخاطر العنف بشتى أنواعه سواء أكان من الرجل على أفراد عائلته أم من قبل الأم على أبنائها”.

وفي هذا السياق، استنكرت لجنة المرأة والأسرة والطفولة النيابية، جريمة قتل أربعة اطفال حرقاً في محافظة كربلاء، داعية الحكومة إلى الإسراع بإرسال قانوني الحماية من العنف الاسري وحماية الطفولة.
وذكرت اللجنة في بيان ، انها تستنكر “الجريمة البشعة والمروعة والقتل المتعمد بحق اسرة تتكون من اربع اطفال احرقوا حتى الموت في محافظة كربلاء من قبل والدهم بحجة المشاكل الزوجية”.
ودعت اللجنة، السلطة الحكومية بمختلف مؤسساتها الامنية والمدنية، إلى “ضمان توفير الحماية للاطفال وان تطبق بحق مرتكب الجريمة اقصى العقوبات واتخاذ اشد الاجراءات كي تكون رادع قوي لمن تسول له نفسه لارتكاب مثل هذه الجرائم والتي كثرت في الفترة الاخيرة”.

ولا يكاد يمر يوم دون ان تنشر وسائل الاعلام والقنوات المحلية وشبكات التواصل الاجتماعي ، المزيد من القصص والاخبار عن جرائم وانتهاكات يرتكبها رجال او نساء ضد بعضهم او ضد ابنائهم ، فهناك رجال احرقوا زوجاتهم ، وزوجة القت طفليها الرضيعين في خزان ماء ، وهناك نساء قتلن ازواجهن ، او ابناء قتلوا والديهم، وغيرها الكثير من القصص المؤلمة الذي تعكس تدهور اوضاع الاسرة العراقية في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها البلد منذ 2003 .  

رفض الاحزاب الشيعية للقانون

ورغم استفحال حالات العنف الاسري ، ومع مرور سنوات على وجود مشروع “قانون العنف العائلي” في ادراج مجلس النواب دون اقراره، وحتى بعد اجراء سلسلة تعديلات على بنوده ، فان القانون لم ير النور حتى الان بسبب معارضة احزاب الاسلام السياسي المتحكمة بالعملية السياسية في العراق منذ 2003 ، التي تصر على عدم تمرير القانون في البرلمان، بحجة ان بعض بنوده تتعارض مع الشريعة الاسلامية والاعراف الاجتماعية.   

زعيم مليشيا عصائب اهل الحق، قيس الخزعلي، قال “إن قانون العنف الأسري ليس من أولويات الشعب العراقي”، واصافاً إياه بـ”المشروع الذي سيفكك الأسرة العراقية”.  

وأضاف الخزعلي في كلمة متلفزة بمناسبة شهر محرم،( اغسطس/ آب الماضي) ، إن “اسم قانون العنف الاسري جميل، لكن فيه محاولة لدس السم بالعسل من خلال ذكر عبارات فضفاضة ممكن أن تستخدم لضرب وتفكيك الاسرة العراقية والمجتمع العراقي”، زاعما أن “بعض  المواد والفقرات في قانون العنف الاسري تعتبر جريمة”. واوضح ان “المتضررين حسب قانون العنف الاسري يلجأون الى أماكن ليست بالضرورة أن تكون تحت اشراف الدولة، وانما ترعاها مؤسسات المجتمع المدني والتي يعمل الجزء الأكبر فيها تحت رعاية المؤسسات الأميركية والسفارة الاميركية”، حسب ادعاءه، مشيرا الى أن “الحكومة تطرح مواضيع لاتعتبر أولوية بالنسبة للشعب وتترك مواضيع أخرى تعد اكثر أهمية للعراقيين”.     

اما النائب والقيادي في الكتلة الشيعية عمار طعمة، فقد اعلن ان مشروع قانون العنف الأسري يعارض ثوابت الإسلام والدستور العراقي، مدعيا ان ” مشروع قانون العنف الاسري يتضمن مضامين خطيرة تنذر بعواقب  تخريبية تستهدف  استقرار العائلة والمجتمع العراقي”.

واورد في بيانه بعض الأعتراضات على القانون المقترح، منها ان القانون يسلب حق تربية وتأديب الوالدين لاولادهم ويعتبره جريمة عنف اسري ، ويجعل كل خلاف عائلي قابلا لتدخل القضاء، منتقدا فقرة ايجاد مراكز ايواء لضحايا العنف الاسري ، لأنهم سيكونون في ايدي غرباء لايؤمن عليهم من مخاطر الإفساد والتوريط بمختلف سلوك الشذوذ والانحراف الاخلاقي، حسب رأيه.

واضاف “ان منع الوالدين اولادهم من اعتقاد وتبني أفكار مدمرة للمجتمع كتلك التي تروج لها جماعات التطرف والتكفير وحمايتهم من الاختلاط في ميادين انتشار ونشاط تلك الأفكار يعتبر وفق القانون جريمة لانه يسبب ضررا معنويا للأولاد”، كما رفض فقرة في القانون تتيح “للزوجة في حال سوء تفاهم وخلاف عائلي مع زوجها أن تذهب للشكوى والاستقرار في مركز الايواء تحت رحمة الغرباء وابتزازهم، وعلى الزوج أن يبعث لها نفقتها وهي تعيش في مركز الايواء بعيداً عن اولادها واطفالها”، قائلا “انهم يريدون تمزيق الاسرة وتفكيك العائلة بهذه الاساليب والوسائل”.

وكذلك اعترض طعمة على فقرات اخرى من القانون مثل تشكيل لجنة عليا من بعض الوزارات تختص بالخلافات العائلية، وتشكيل مديرية حماية الاسرة في وزارة الداخلية، مستنكرا تدخل منظمات المجتمع المدني في الخلافات العائلية ، ومدعيا ان “هدف ذلك تمكين المنظمات الليبرالية من ممارسة دور الغزو الثقافي والتغريب الفكري والقيمي لابناء المجتمع العراقي وفصله عن قيمه وثقافته الوطنية والدينية”.

الامم المتحدة تدين حالات العنف الاسري

وازاء تزايد حجم الجرائم العائلية في العراق بشكل خطير ، فقد تحركت منظمات الامم المتحدة ضمن مسؤوليتها في رعاية حقوق الانسان وحرياته ، حيث ناشدت بعثة الأمم المتحدة في العراق (يونامي)، مجلس النواب العراقي، الإسراع في إقرار قانون مناهضة العنف الأسري، مشيرة الى “تقارير مثيرة للقلق تفيد بارتفاع حالات العنف القائم بالمجتمع بشكل عام وداخل الأسرة الواحدة بشكل خاص، خصوصاً مع تزايد التوتر بين أفراد الأسرة نتيجة للحجر المنزلي بسبب فيروس كورونا”، حسب بيانها. وطالبت “يونامي”، بضمان استمرار السلطة القضائية في ملاحقة المعتدين، وإبقاء أبواب الملاذات الآمنة مفتوحة للنساء الهاربات من العنف ومعاقبة مرتكبي أي نوع من أنواع العنف الأسري.

واضاف البيان الصادر عن صندوق الأمم المتحدة للسكان ومفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) وهيئة الأمم المتحدة للمرأة في العراق، انهم يعبرون عن قلقهم من إرتفاع وتيرة العنف الأسري في ظل جائحة الكوفيد مع نشر تقارير إعلامية عن العديد من حالات العنف مؤخرا”.

ودعت بعثة الأمم المتحدة، السلطات إلى “ضمان إستمرار السلطة القضائية في ملاحقة المعتدين، وزيادة الإستثمار في خدمات الخط الساخن والخدمات عبر الإنترنت الداعمة للناجين من العنف القائم على النوع الاجتماعي، ودعم دور منظمات المجتمع المدني، وإبقاء أبواب الملاذات الآمنة مفتوحة للنساء الهاربات من العنف، ومعاقبة مرتكبي أي نوع من أنواع العنف الاسري والعنف القائم على النوع الإجتماعي، داعية السلطات في العراق لجعل حماية النساء والأطفال إحدى أبرز أولويات الخطة الوطنية للإستجابة لجائحة كوفيد”.

ويعزو المراقبون اسباب تصاعد العنف الاسري في العراق ، في السنوات الاخيرة ، الى عوامل عديدة ابرزها تأثير الحروب والنزاعات التي خاضها العراق منذ اربعين عاما، والانفلات العام عقب الاحتلال الامريكي للعراق ، وانتشار المليشيات والعصابات المنظمة والسلاح المنفلت ، وتفشي المخدرات ، اضافة الى تراكم الضغوط والازمات الاقتصادية والاجتماعية المزمنة ، وما تتركه من اثار خطيرة على المجتمع والافراد، مما جعل بعض قوانين العقوبات العراقية السائدة، عاجزة عن معالجة المشاكل والازمات الاجتماعية المتزايدة ، وسط انشغال الحكومات والقوى السياسية بالمشاكل الامنية والسياسية والاقتصادية والصحية.  

وفي الجانب الاخر، يتفق الجميع على ان المشكلة في العراق ليست في اصدار قوانين لحفظ حريات المجتمع وافراده وتنظم اوضاع الاسرة وعلاقات افرادها فيما بينهم، وانما المشكلة في محاولة قوى سياسية ودينية، فرض نمط من الافكار والممارسات والعادات الدينية والاجتماعية، تقليدا للنموذج الايراني ، اضافة الى استغلال بعض القوى السياسية رفض القانون لاغراض الكسب السياسي بين جمهورها.

وفي كل الاحوال ، فان “قانون العنف العائلي” في العراق ، هو نموذج لهيمنة عقلية الاستبداد ورفض الرأي الاخر وفرض العقيدة الدينية على المجتمع لتقييد حريات الافراد فيه. واصبح ملموسا أن احزاب الاسلام السياسي المتنفذة في العراق، تريد ان ترسم للمجتمع مسارات وعلاقات اجتماعية ، تقيد حريات وخيارات الافراد والمجتمع ، عبر فرض وجهة نظرها حول نمط الحياة المطلوب تطبيقه ورفض اية محاولات للتخلص من هذه الهيمنة ، سواء عبر “قانون العنف الاسري” او غيره.  

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شعبية

الاعلان عن تشكيل جبهة تشرين لمتظاهري العراق

  في الذكرى الاولى لانطلاق انتفاضة تشرين / اكتوبر 2019 ، المطالبة بالاصلاحات ومحاربة الفساد ، اعلن ناشطون عراقيون، تشكيل كيان سياسي باسم "جبهة تشرين"...

مذكرة اعتقال صحفية عراقية بسبب كتاباتها

   رفضت جمعية الدفاع عن حرية الصحافة في العراق، قرار القضاء باصدار مذكرة اعتقال بحق صحفية عراقية بسبب كتاباتها.   وقال بيان الجمعية إنها راجعت القصص...

القبض على ام القت ولديها الى النهر

  قال المتحدث باسم وزارة الداخلية العراقية اللواء خالد المحنا، إن المجتمع العراقي ضج بجريمة مروعة حيث قامت الأم بإلقاء ابنيها في نهر دجلة، من أعلى...

رئيس وزراء العراق يزور اوروبا

  وصل رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي الى المانيا قادما من باريس، في إطار جولة أوروبية تشمل فرنسا وبريطانيا وألمانيا، يجري خلالها عدة مباحثات ترتكز...

احدث التعليقات