Web
Analytics

من اجل عراق حر

الرئيسية سياسة مئوية تأسيس العراق ومواجهة التحديات المصيرية

مئوية تأسيس العراق ومواجهة التحديات المصيرية

 

مرت الشهر الحالي، الذكرى المئوية الاولى لتأسيس جمهورية العراق الحديث ، وسط اهمال رسمي مثير للريبة، بالتزامن مع انهاك البلد بازمات سياسية وامنية واقتصادية واجتماعية ، ومخاوف من مساعي واطماع اقليمية حثيثة للهيمنة على الدولة.

وتابع العراقيون بقلق وأسف، مرور ذكرى التأسيس المئوية لجمهوريتهم الحديثة في 23 آب/اغسطس 1921، دون احتفالات رسمية او سياسية او شعبية تتناسب واهمية هذه الذكرى وسط تحديات مصيرية يمر بها البلد. وبقيت بعض المقالات والتغريدات والاراء في مواقع التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الاعلام المحلية ، بمثابة محاولات يتيمة لاحياء هذه المناسبة.

وترتبط الذكرى المئوية للدولة بتاريخ تنصيب فيصل الأول ملكا على العراق عام 1921، في ظل الانتداب البريطاني، حيث توالت على حكم الدولة، انظمة ملكية، ثم جمهورية، وصولا الى سقوط الدولة في براثن  الاحتلال الامريكي البريطاني عام 2003.

وتاريخيا، فان الدولة العراقية، في بلاد ما بين النهرين، نشأت فيها العديد من الحضارات الرائعة كالسومرية والاكدية والبابلية والآشورية، اضافة الى الخلافة العباسية ، والتي ازدهرت وتركت بصماتها على مسيرة الحضارة الإنسانية في مختلف المجالات، الا انها مرت ايضا بفترات مظلمة متعددة نتيجة الغزوات والاطماع الخارجية او ضعف انظمة الحكم والصراعات السياسية المحلية والخارجية.

وعموما فإن قيام الدولة العراقية الحديثة، ارتبط باحداث هامة مهدت له، اولها انهيار الدولة العثمانية عقب الحرب العالمية الاولى، وتقاسم الغرب “الولايات” العربية فيما بينهم، وثانيا، بروز النزعة الوطنية لدى العراقيين واندلاع “ثورة العشرين” عام 1920 التي طالبت بالاستقلال ودخلت في حرب كبدت الانتداب البريطاني مئات الجنود القتلى، مما اجبر لندن على اقامة حكومة عراقية وتعيين الامير فيصل بن الحسين ملكا عليها. وقد تعزز الاستقلال العراقي عن الانتداب البريطاني عام 1932 عندما تم قبول العراق كدولة مستقلة في عصبة الأمم المتحدة، الا ان تأثير بريطانيا على الحكم الملكي لم ينته الا بقيام النظام الجمهوري في ثورة تموز 1958.

والمؤكد ان ضعف الدولة العراقية خلال العقود الثلاثة الاخيرة، الناجم عن الحروب الخارجية ( مع ايران والكويت) والاضطرابات الداخلية جراء الصراعات السياسية والانقلابات ، اضافة الى الاحتلال الامريكي البريطاني في عام 2003 ، وغيرها من العوامل ، قد ساهمت كلها في اضعاف الدولة واحياء اطماع تاريخية لدى بعض الدول الاقليمية في البلد وخيراته. 

والحقيقة ان اهتمام الدول الطامعة بالعراق لم يكن بسبب موقع العراق الجغرافي كنقطة التقاء طبيعي بين ثلاث قارات، آسيا وأوروبا وافريقيا، وهو بالتالي نقطة تلاقي طرق التجارة الدولية، ولا بمكانته التاريخية والدينية فحسب ، بل عزز ذلك الاهتمام الثروات الهائلة والمتنوعة فيه وابرزها النفط والغاز، مما جعل العراق محط تركيز القوى الطامعة وصراعها المستمر للاستئثار بخيراته، وهو ما ترك اثاره على عدم استقرار اوضاع العراق السياسية، حيث توالت فيه الحروب والانقلابات والثورات.

وكانت احدى الفترات البارزة في تاريخ العراق الحديث ، هي وصول صدام حسين إلى رأس السلطة في العراق عام 1979، حيث سعى الى بناء دولة قوية مستقلة ومؤثرة في المنطقة ، من خلال تطوير الدولة وتحديثها ، وتأميم نفط العراق وتشكيل جيش قوي خرج منتصرا من حرب الثمان سنوات مع ايران ( 1980 – 1988)، اضافة الى محاولات النظام لتوحيد مواقف الحكومات العربية ازاء القضايا الاساسية ودعمه لقضية فلسطين، الا ان غلطته القاتلة في غزو الكويت عام 1990، ادخلت العراق مرحلة العقوبات الدولية التي انتهت بالغزو الامريكي عام 2003.

ويتفق الجميع على ان الاحتلال الامريكي للعراق، يعد الفترة الاسوأ والاخطر في تاريخ العراق الحديث، عندما رسخ الاحتلال اسس تقسيم المجتمع والدولة العراقية عبر دستور ملغم وتمكين قوى موالية للخارج من الهيمنة على السلطة ، عبر لعبة المحاصصة السياسية والطائفية ، التي اسفرت عن نزاعات طائفية وعرقية مدمرة للبلد.

والملاحظ ان صناع العملية السياسية الحالية ، يحرصون على ابقاء الدولة العراقية ضعيفة وتابعة لصالح مشاريع اقليمية ، وذلك عبر وسائل منها ، بناء الدولة العميقة ، واضعاف الحكومة واسقاط هيبة القانون ، ونشر المليشيات الطائفية، واضعاف سيادة الدولة ، اضافة الى خلق الازمات لتعميق تدهور الاوضاع عموما. وتأتي ضمن هذا المسار، محاولات القوى الولائية، التشكيك بتاريخ العراق وتشويهه وحصره في زاوية طائفية مشوهة ، مع سعيها لاضعاف ارتباط العراق بمحيطه العربي والاسلامي وحصره في جار اقليمي. ولعلها مفارقة ان تأتي ذكرى تأسيس جمهورية العراق مع الاستعدادات لعقد مؤتمر دول جوار العراق الذي تحضره العديد من الدول، وبعضها تتدخل في شؤونه الداخلية بشكل سافر، ولديها اطماع واضحة في البلد ومساعي للهيمنة عليه.  

ومن جهة اخرى فان مئوية التاسيس، كانت فرصة جديدة لبعض قادة المكونات لاعادة اطلاق الدعوات الانفصالية عن العراق الموحد. فبعد اصرار قيادات كردية على الاستفتاء على انفصال كردستان عن العراق عام 2017، تشهد أربيل، مركز اقليم كردستان، “الحملة الكوردستانية إزاء 100 عام من استبداد الدولة العراقية!“، والتي طالب منظموها، بغداد بـ”تقديم التعويضات المادية والمعنوية عن الاضرار التي لحقت بالشعب الكوردي والمكونات الاخرى جراء السياسات الخاطئة للحكومات العراقية المختلفة”، دون ان يشيروا الى النتائج المدمرة للتمرد الكردي على بغداد، وتحالف بعض القيادات الكردية مع الدول المعادية للعراق، مثل اسرائيل وايران، ومتناسين ان اوضاع اكراد العراق حاليا هي الافضل بين البلدان التي تضم المكون الكردي في المنطقة.

 

ولا شك ان كتابة التاريخ والاحداث التي مرت على العراق، متباينة تبعا لاهداف وتوجهات الجهات التي كتبت ذلك التاريخ ، الا ان العراقيين يبقون فخورين بتاريخ بلدهم الحافل بالانجازات الحضارية رغم بعض الانتكاسات والعثرات، وهم يعيشون في هذه المرحلة، قلقا ومخاوف حقيقية من مؤامرات ومحاولات منظمة لتدمير الدولة العراقية الحديثة، عبر اخضاعها الى مشاريع واجندات اجنبية مشبوهة تسعى لابتلاعها وضمها الى قائمة البلدان العربية الخاضعة للنفوذ الاقليمي والدولي.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شعبية

عقد نفطي وغازي كبير بين العراق وفرنسا

  اثار توقيع عقد نفطي وغازي كبير بين العراق وفرنسا قبل ايام، لغطا واسعا في الاوساط الشعبية والسياسية والاقتصادية ، بين الترحيب به كونه يسد...

نزاع عشائري مسلح وسقوط ضحايا في بغداد

 اندلاع نزاع عشائري في شرق العاصمة العراقية ، اسفر عن سقوط قتلى وجرحى وحرق بيوت مواطنين وتعطيل الحركة في المنطقة ليومين متتالين.وقد اندلع نزاع...

سر العلاقة الغريبة بين حكومات بغداد وطهران

 حضيت زيارة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي الى ايران، قبل ايام ، باهتمام كبير من العراقيين والمراقبين ، واعادت تقييم العلاقة الغريبة بين الحكومات...

مؤتمر لاسترداد الاموال المسروقة في بغداد

 اختتم المؤتمر الدولي لاسترداد الأموال العراقية المنهوبة، اعماله الخميس، واصدر توصيات ، تتعلق باليات استرداد الاموال وتعاون المجتمع الدولي بهذا الصدد.وانعقد المؤتمر على مدى يومين...

احدث التعليقات